ابن أبي العز الحنفي

85

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ , فَقَالَ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ ، تَذْهَبُ فَتَمْتَلِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَتَاعِ وغيره بنفسها ، وتعود بنفسها ، فترسي بنفسها ، وتفرغ وَتَرْجِعُ ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدَبِّرَهَا أَحَدٌ ؟ ! ! فَقَالُوا : هَذَا مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ! فَقَالَ لَهُمْ : إِذَا كَانَ هَذَا مُحَالًا فِي سَفِينَةٍ ، فَكَيْفَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كُلِّهِ عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ ! ! وَتُحْكَى هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ أبي حنيفة . فَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، الَّذِي يُقِرُّ بِهِ هَؤُلَاءِ النُّظَّارُ ، وَيَفْنَى فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ ، وَيَجْعَلُونَهُ غَايَةَ السَّالِكِينَ ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مُنَازِلِ السَّائِرِينَ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ إَنْ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَتَبَرَّأْ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ كَانَ مُشْرِكًا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ تَقْرِيرِ هَذَا التَّوْحِيدِ وَبَيَانِهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَرِّرُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ ، فَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ دليلا على الثاني ، إذ كانوا يسلمون [ في ] الْأَوَّلَ 1 , وَيُنَازِعُونَ فِي الثَّانِي ، فَيُبَيِّنُ لَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلا الله [ وحده ] ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَلِمَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ، وَتَجْعَلُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [ سورة النمل : 59 ] الآيات . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ كُلِّ آيَةٍ : { أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أي أإله مَعَ اللَّهِ فَعَلَ هَذَا ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ذَلِكَ ، وَهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ ، [ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بذلك ، وليس المعنى أنه اسْتِفْهَامَ هَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ الْكَلَامِ ، وَالْقَوْمُ كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ ] آلِهَةً أُخْرَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } [ الْأَنْعَامِ : 19 ] , وَكَانُوا يَقُولُونَ : { أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ

--> 1 في الأصل : للأول .